جلال الدين السيوطي

13

معترك الاقران في اعجاز القرآن

فانظر هذا الأمر كيف صار كلام الناس بالنسبة إلى كلام الحوراء الذي هو من جنس كلامهم أدنى وأقبح من صوت الحمير والكلاب بالنسبة إلى كلام الناس ؛ إذ لا تجد من يتقيأ من سماع صوت الحمير أو الكلاب ، ولو سمعته إثر سماعك أفصح كلام وأعذبه ، فكيف نسبة كلام الخلق إلى كلام الخالق الذي جلّ عن المثل في ذاته وصفاته وأفعاله . وقال أيضا رضى اللّه عنه : دخلت مسجد نبىء بالإسكندرية بالديمان « 1 » ، فوجدت النبيء المدفون هناك قائما يصلى ، عليه عباءة مخططة ، فقال : تقدم فصل . قلت له : تقدم أنت فصل . قال : إنكم من أمة نبىء لا ينبغي لنا التقدم عليه . قال : قلت له : بحق هذا النبي - وقد وضع فمه على فمي إجلالا للفظه النبي كي لا تبرز في الهواء . قال : فتقدمت وصليت . فانظر إلى هذا المصاب الحالّ بنا في عدم احترامنا لذكر هذا الرسول والكتاب المنزل عليه ، فقف به على قدم الاعتذار ، واكشف رأس التّجبّر والاستكبار ، وناد بلسان الاضطرار « 2 » : « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » لعلك تسمع كلامه إذ تشفعت إليه بكلامي فأنت من المقبولين ، وتنال بذلك الفوز مع الذين أنعم اللّه عليهم [ 4 ب ] من النبيين والصديقين ، وحاشاك نسيان أخيك الجالب لك من أسرار كلامه تعالى ما تزيد فيه حلاوته والنظر فيه يزيدك له محبة .

--> ( 1 ) في ا : بالدبعات ! ( 2 ) الأعراف : 23 .